محمد أبو زهرة

201

المعجزة الكبرى القرآن

وإن هنا عبارتين ساميتين فيهما كناية واضحة ، وقد علمت أن كنايات القرآن تدل على اللازم والملزوم ، ويقصد بالعبارة الأولى قوله تعالى : إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ أنه يراد بها ما تحويه الألفاظ الظاهرة من معان عالية ، وفيها إثبات قدرة اللّه تعالى بإخراج حبة الخردل من صخرة أو في السماوات أو في الأرض ، هذا هو ما تدل عليه الألفاظ ، وهناك اللازم لهذا ، وهو إثبات علم اللّه الذي لا يخفى عليه خافية ، وإثبات قدرة اللّه تعالى الذي لا يعجز عن شئ في السماء ولا في الأرض ، ولازم لهذا اللازم ، وهو البعث والنشور ، لأنه إذا كان سبحانه وتعالى قادرا على أن يأتي بالحبة من الصخرة أو من أي جزء في السماء أو الأرض ، فهو قادر على إعادة ما خلق ، ويتلاقى ذلك القول الحكيم مع قوله تعالى : قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً ( 50 ) أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً ( 51 ) يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا ( 52 ) . [ الإسراء : 50 - 52 ] العبارة السامية الثانية حكايته تعالى لقول لقمان : وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ . . إلى قوله تعالى : إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ( 19 ) [ لقمان : 18 ، 19 ] فإن هذه الأوامر يراد منها ما يدل عليه ظاهر الألفاظ من أنه لا يصعر خده للناس بأن يميله عن شكله ، فلا يقبل عليه بكل وجهه ، ومن أنه يقصد في مشيه فلا يتباطأ ولا يسرع ، بل يسير بتؤدة واطمئنان ، ومن أنه يغضض من صوته ، فلا يتعالى ويتكلم صياحا ، ويراد أيضا معنى لازم لها وهو التضامن والاتصال بالناس برفق ومودة من غير كبرياء ، وألا يغمط الناس حقوقهم ، وألا يبطر نعمة اللّه تعالى ، وألا يدلى نفسه بغرور ، لأن الغرور مطية الشيطان ، والسبيل إلى العصيان . 118 - هذا ، وإن الكنايات فيها الإشارة البيانية التي تكون لوازم للعبارات ، ولقد قسم علماء الأصول دلالة الألفاظ القرآنية إلى دلالة العبارات ، سواء أكانت هذه العبارات تدل بالدلالة الحقيقية من غير تشبيه أو دلالة فيها تشبيه أو فيها مجاز ، بالاستعارة أو غيرها من أنواع المجاز ، وبجوار ذلك دلالة الإشارات ، وهي دلالة اللوازم ، وإنه كلما كانت دلالة اللوازم كانت البلاغة . ولنقبض قبضة من الآيات التي قال الفقهاء : إن فيها دلالة على الأحكام بالإشارة ، أي بالكناية أو بدلالة الملزوم على اللازم ، وهي تفهم كنتيجة لازمة للعبارة ، وقد قالوا في تعريفها أن الدلالة بالإشارة هي ما يدل عليه اللفظ بغير العبارة التي تدل عليها الألفاظ ، ولكنه يكون نتيجة لازمة لما تدل عليه ألفاظ العبارة ، ومن ذلك قوله